Fidel Castro à Oran


فيدال كاسترو في وهران ، مقال للأكاديمي الكندي من أصل جزائري ، الدكتور أحمد بن سعادة
ترجمة الروينة آنفو


في يوم مشرق جميل  من شهر ماي 1972 و سماء زرقاء  صافية تزينها  سحب ناصعة كأنها أكوام قطن نقشت على هذا الأفق  لتعكس  بإحكام ربيع  الباهية وهـران ،  فقط كان ينقص المثلث الأحمر والنجم المنفرد « Estrella Solitaria »  ليعكس راية بلد هذا الضيف العزيز ،

فيدال كاسترو بوهران -ماي 1972

فيدال كاسترو بوهران -ماي 1972

الطقس لم يجاري  الجماهير في نشوتها وإن كان الضيف جدير بذلك

وهران عاصمة الغرب الجزائري  لم يسبق لها استقبال شخصيات بهذا القدر ، وفي هذا اليوم بعد عقد من استقلال الجزائر الضيف كان رمزا إنه فيـدال كاسترو شخصيا.

 

« Líder Máximo»  الزعيم  الكبير   ، رفيق الشي ، « barbudo » صاحب اللحية  الشهير ، متمرد جبال سييرا مايسترا ، بطل خليج الخنازير ، « El Comandante »  القائد ، كان هذا اليوم بوهـران.

بسنواتي الأربعة عشر، أصبت برهبة ، وبدون عناء استطعت التسلل بين هذا الجمع الغفير المتكون من عشرات الألاف من الناس  الذين تجمعوا  في هذه الساحة التي احتضنت هذا الحدث التاريحي

فيدال كاسترو وبومدين في شوارع وهران



الشخص الذي تحدى أكبر قوة في العالم انطلاقا من جزيرته الصغيرة  الواقعة ببحر الكاريبي وتبعد عن الشواطئ الأمريكية بكيلومترات معدودة، هذا الشخص كان هنا  أمامي  وبقول عاطفي مجرد من التمثيل بدأ خطابه:

« Querido compañero Houari Boumediene ;

Queridos camaradas dirigentes del FLN y del Gobierno Argelino ;

Queridos amigos de Orán » [1]

الرفيق العزيز هـواري بومدين ،   أعزائي الرفاق في جبهة التحرير وفي الحكومة الجزائرية ، أصدقائي الأعـزاء في وهران

استهل القائد خطابه  بالاسبانية فنقلتها  مكبرات الصوت  فكان لها وقع خاص في هذه الساحة الكبيرة  . وكبف لا وأنت لو رفعت   رأسك لتنظر ناحية  الغرب فسترى   الحصن المشهور  سانتا كروز يـُطل على المدينة ومرتفعا بفخامة على قمة  سلسلة المرجاجو

مشرفا على مدينة وهران - حصن سانتا كـروز

مشرفا على مدينة وهران – حصن سانتا كـروز

هذا الصرح الشامخ  الذي تم تشييده  ما بين 1577 و 1604 يعتبر من الشواهد الأساسية للاحتلال الاسباني للمدينة خلال 3 قرون تقريبا 1509- 1792 .
وهران أكثر مدن  الجزائر التي احتفظت بالطابع الاسباني ولا تزال  في لهجتها بصمات في الأطباق والكلمات   التي تشهد على هذا الوجود الذي لم ينتهي فعليا الا باستقلال الجزائر سنة 1962

 

وأنا الذي  كبرت في الحي القديم  Scalera

(escalera     أي السلم بالاسبانية )  أعرف ذلك.

في وهران التين الشوكي  يدعى  « chumbo »،    ماء جافيل « lejía »,    الخزانة « armario »  و

« la paëlla »  و « calentita »  هي أطباق وهرانية بامتياز .

من مصادفات  التاريخ أن اسبانيا احتلت وهران وكــوبا تقريبا في نفس الفترة ، وبالفعل فان الفاتح دييغو فالاكاز Diego Velázquez de Cuéllar  احتل كوبا في 1511 وبـنى  هافانا في 1554 ، مصادفة أخرى ، فان الشعبين الكوبي والجزائري انتزعا حريتهما في نفس الفترة مع فارق سنوات قليلة ، كـوبا 1959 ، الجزائر 1962

ثم يواصل القائد خطابه في أحسن ما يكون :

نحن معكم اليوم لسبب بسيط ، لأنه في الجزائر حدثت ثورة وفي كـوبا حدثت ثورة  […]. […] ، كل اشتباك ، كل معركة ، كل عمل من نضال الشعب الجزائري تابعه شعبنا يوميا، النضال البطولي ضد جيش الاحتلال الفرنسي ، عزيمة الشعب الجزائري و وطنيته  ولدت حماس وتعاطف قويين  في بلدنا.

لم يكن فيدال يبالغ بخصوص  مساندة  الشعب الكوبي للثورة الجزائرية  ونضاله البطولي ضد الاستعمار الفرنسي ، فما بين سنتي 1956 و 1957 أكثر من 20 مقال عن ثورة التحرير الجزائرية نشرتهم  Bohemia ، صحيفة المعارضة الكوبية ضد الديكتاتور باتيستا ،

مرفقة بالصور كانت المقالات  تبرز بشكل جيد  ثورة التحرير الجزائرية  و ما تحققه  العمليات العسكرية للأفلان  ( حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري )  من انتصارات ، كما تصور التعذيب الممارس من قبل الفرنسيين[3]  كانت العناوين بليغة  : « Lágrimas, terror y sangre en Argelia » دمــوع ، وحشية ودماء تسيل في الجزائر ، بــوهيميا 14 أفريل 1957 ، أو  « ¡ Asi es la guerra en Argelia ! » ، هكذا هي الحرب في الجزائر ، بوهيميا 07 جويلية 1957

إن كان فيدال بتواضعه لم يصرح علنا، فان مساندة  الشعب الكوبي لم تكن مجرد شعارات بروتوكولية بين وطنين تفصلهما ألاف الكيلومترات ، وكذلك اللغة ، الدين ، الجغرافيا والثقافة ،  فان فيدال وكـوبا ساعدوا بالفعل الجزائر لتحتل مكانة بين الأمم ، ولنيل استقلالها والمحافظة على وحدة أراضيها وتوفير العلاج لشعبها.

أضاف فـيدال:

في تلك الحقبة لم يكن أحدا يتصور لقاءا كهذا ، المساندة كانت من نوع آخر ، ما الذي يمكن فعله لدعم النضال الجزائري، القضية الجزائرية، ما الذي يمكن فعله لدعم  الشعب الجزائري ؟ .

لم تبقى هذه التساؤلات دون أفق، بل بالعكس فحسب جيرالدو مازولا  Giraldo Mazola سفير كوبا الأسبق بالجزائر 1974 – 1978 فقد تم  استقبال وفد من الحكومة الجزائرية المؤقتة بداية 1960 من طرف السلطات الكوبية ، وفي 27 جوان 1961 أي بعد شهريا فقط من انزال خليج الخنازير ( أفريل 1961 ) ، كوبا تعترف بالحكومة الجزائرية في المنفى ، ولم يكن هذا بالأمر الهين بتاتا، فكوبا هي الدولة الأولى في المعسكر الغربي من قام بهذا ، مما عرضها  لإجراءات إنتقامية  من طرف الحكومة الفرنسية [4].

جورج ريكاردو ماسيتي برفقة الشــي

جورج ريكاردو ماسيتي برفقة الشــي

إن دعم القضية الجزائرية أثناء الثورة لم يتوقف عند هذا الحد ، ففي نهاية أكتوبر 1961 ، أرسل فيدال كاسترو  مبعوثا وهو الصحفي الأرجنتيني الشاب  جورج ريكاردو ماسيتي      Jorge Ricardo Masetti   ليلتقي الثوار الجزائريين بتونس  وتسجيل احتياجاتهم ، التقى ماسيتي قادة الأفلان من بينهم بن يوسف بن خدة رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة

 

 

 

شهرين بعد ذلك  السفينة الكوبية الباهية  Bahia de Nipe  تغادر  هافانا  باتجاه  الدار البيضاء بالمغرب محملة بـ 1500 بندقية، أكثر من 30 رشاش و 4 مدافع من صنع  أمريكي ، وتم نقل الحمولة لمعسكر الأفلان بضواحي مدينة وجدة على الحدود الجزائرية، واعتبر هذا أول مساعدة عسكرية كوبية لافريقيا ،

وفي عودتها سفينة الباهية تنقل على متنها 76 جندي مصاب و 20 طفلا جزائريا قدموا  من مراكز اللجوء أغلبهم من الأيتام
كما يبين الأستاذ بييرو قليزيس Piero Gleijeses  فان مساعدة كوبا للجزائر لا علاقة لها بالصراع القائم بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، فجذورها أبعد من انتصار كاسـترو  سنة 1959 ، فهي نابعة من التوجه العام السائد لدى الكوبيين في مساندتهم لنضال الشعب الجزائري  [5].

دعم الشعب الكوبي لم يتوقف  عندما نالت الجزائر استقلالها سنة 1962 ، فقد تواصل وبالخصوص في ما يعرف  بـحـرب الرمـال، النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر ، الحسن  الثاني الملك المغربي الشاب  يقرر توسيع بلده على حساب  الجزائر الفتية  والمستنزفة  بعد 132 سنة استدمار  و8 سنوات حرب شرسة  ضد المحتل الفرنسي، وهكذا ففي 25 سبتمبر 1963 بعد سنة تقريبا  من استقلال الجزائر ، قوات العرش ….  تجتاح   الحدود الجزائرية وتحتل   المراكز الحدودية الرئيسية في حاسي بيضة وتنجوب   [6].

الحسن 2  الذي اعتلى  العرش منذ  سنتين ونصف  تقريبا ،  بدأ  نزاعا دمويا  أودى بحياة العشرات   ومئات الجرحى   [7]

 

طالع

Maroc-Algérie : La bataille du désert

Paris-Match : n°759 du 26 octobre 1963

سارعت الجزائر في طلب مساعدة عسكرية  من كوبا لتتصدى للإجتياح ، بعد ساعات  قليلة  السلطات الكوبية توافق على دعم الجزائر المعتدى عليها.

بالرغم من أن الاعصار  فـلورا الذي يعتبر من أشد الأعاصير الطبيعية ، ضرب المنطقة الشرقية  للجزيرة وخلف أكثر من 1000 قتيل ، أرسلت  كـوبـا سفينتين  نحو الجزائر     l’Aracelio Iglesias    و        l’Andres Gonzalez Lines  رست الأولى بميناء وهران يوم 21 أكتوبر 1963 وعلى متنها  كتيبة   مكونة من 22 دبابة  تي 34 الروسية، و 50 تقني عسكري كوبي   [8]

السفينة الثانية وصلت وهران في 28 أكتوبر  تحمل كتيبة مشاة  ، وشحنة من  البنادق ، المدافع و القاذفات ،  ثم التحقت بهم بقية القوات التي وصلت جوا عن طريق مطار وهران يوم 29 أكتوبر، فبلغ تعداد الجنود الكوبيين  686  فردا ، وليس هذا فقط  ، فالسفينة  : l’Andres Gonzalez Lines   نقلت أيضا  هدية للشعب الجزائري تمثلت في  4744 طن من السكر  [9]

لم يستدعي الأمر دخول القوات  الكوبية  المعركة ضد الجيش المغربي ، فوصول المساعدة الكبيرة من كوبا ( والتي تناولتها  الصحافة )  استعجل توقيع وقف اطلاق النار بين البلدين الجارين الموقع في 29 أكتوبر ببماكو

الكوبيين لم يعودوا لبلدهم مباشرة بعد توقيف الأعمال العسكرية ، فقد بقوا في الجزائر لغاية 17 مارس 1964  لتكوين الجنود الجزائريين على استعمال السلاح الجديد الذي أحضروه
يقول مسؤول البعثة  الكوبي بأن كل السلاح مـُـنـح  للجيش الجزائري دون أن يـأخذوا شيئا  ولا حتى سنتيما واحدا.

انخراط كوبا الى جانب الجزائر كان استثنائيا  بالمساعدات المادية  والبشرية التي يمنحها البلد الشقيق  وأيضا لأنه أضر بمصالحهم  كما حدث سنة 1961

فـدعم كوبا للجزائر أثار غضب المغرب الذي قطع علاقاته الدبلوماسية مع كوبا في 31 أكتوبر 1963 وألغت عقد كبير لمدة ثلاث سنوات  للتموين بالسكر الكوبي مقداره مليون طن

مما تسبب لها في عجز مقداره   184 مليون دولار في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تسعى لخنق كوبا وفيدال كاسترو   [11].

ليست السياسة  العسكرية الدولية  لكوبا فقط من  بدأت في الجزائر وإنما التقاليد الطبية  الدولية  بدأت أيضا في الجزائر.

بمبادرة من فيدال كاسترو أول فريق طبي وصل الى  الجزائر في 24 ماي 1963 وكانت وقتها كوبا في أمس الحاجة لطواقمها الطبية جراء نزوح  ما بعد  الثورة ، لكن كما أشار حينها  Machado Ventura  وزير الصحة العمومية  الكوبي  ” إن الشعب الجزائري  بحاجة  أشد منا وهو جدير بذلك ”

كان  ذلك عمل تضامني حقيقي لا يعود  بأي فائدة ملموسة لكوبا  وترتبت عنه  تكاليف مادية للبلد  [12]

التواجد الطبي الكوبي لم يتوقف أبدا منذ ذلك  الحين ، نجده حاليا في عدة مناطق  من التراب الوطني وهو محل تقدير  كبير  من طرف السكان المحليين  [13].

مستشفى طب العيون " الصداقة الجزائرية - الكوبية " ( مدينة الجلفة . الجزائر )

مستشفى طب العيون ” الصداقة الجزائرية – الكوبية ” ( مدينة الجلفة . الجزائر )

بالنسبة لـ Piero Gleijeses ، لا شك في أن «الجزائر كانت أول حب لكوبا في أفريقيا». محبة إنسانية نبيلة بلا أنانية  تَعِدْ بكرامة الشعوب  بالإضافة إلى ذلك ، « إن مساعدته للجزائرتعكس  مستوى من المثالية التي ليست معتادة في العلاقات الدولية للقوى العظمى أو الصغيرة […]».

يجب أن نعترف بأن فيدل كاسترو ، الاستراتيجي لهذه السياسة التي لا تضاهى ، هو الضمير الذي يقف بين المستعمرين والشعوب المضطهدة ، بين أولئك الذين يريدون الهيمنة على العالم وأولئك الذين يسعون فقط للعيش في سلام بين الأمم المفترسة وفرائسها العاجزة.

لا بد من الاعتراف  ، دون الاساءة للمفكرين الغربيين  « صناعة التوجه العام   mainstream  » أنهم  يدافعون  عن الذين واجههم فيدال  طيلة حياته.

أنهى الزعيم الكبير الخطاب بتألق وسط هتافات الحشد المبتهج

« ¡Viva la Revolución Argelina !, ¡Viva la amistad entre Argelia y Cuba !

¡Patria o Muerte !, ¡Venceremos ! » [15]

«عاشت الثورة الجزائرية ! عاشت الصداقة بين الجزائر وكوبا !

الوطن أو الموت ! سوف نفوز ! »[15]

عندما أمر مصادفة أحيانا بهذه الساحة  أثناء زياراتي لوهران ،  يخيل إليّ سماع  تلك  الكلمات تغمر المكان   وذلك الصوت مدويا.

ومن اليوم فصاعدا  سأرفع رأسي نحو السماء الزرقاء وأبحث عن وجه فـيدال بين  السحب البيضاء ، فمن يدري ربما مع قليل من الحظ سأسمعه يقول لي:

« ¡Hasta la victoria siempre, querido amigo de Orán ! » [16]

                                     «   حتى النصر دائما ، صديقي العزيز الوهراني »

أحمد بن سعادة في 14 ديسمبر 2016

نكس العلم بالقنصلية الجزائرية بمونتريال

نكس العلم بالقنصلية الجزائرية بمونتريال التقطت الصورة من طرف أحمد بن سعادة يوم 02 ديسمبر 2016

ملاحظة: عقب الاعلان عن وفاة فيدال كاسترو ،  الجزائر أعلنت الحداد لثمانية أيام، أقل بيوم واحد عن كوبا.

فيدال كاسترو الرمز اصدار طابع بريد

إطلع على المراجع المشار إليها وعلى المقال  من المصدر  موقع أحمد بن سعادة 

اترك رد أو اثراء للموضوع